القائمة الرئيسية

الصفحات

السرد القديم لغة واصطلاحا(الدرس الاول)

 

السرد القديم لغة واصطلاحا)الدرس الاول)





 المفهوم اللغوي:

    لقد جاء في لسان العرب كلمة سرد بتسكين الحرف الاوسط تعني تقدمة شيء الى شيء تأتي به متسقا اي منتظما بعضه في اثر بعض وسرد الحديث ونحوه اذا تبعه، وفلان سرد الحديث اذا كان جيد السياق له وسر فلان الصوم اذا ولاه تابعه.

    ويمكن رد كلمة سرد ايضا الى معنى الثقب فنقول سرد الشيء وأسرده اذا ثقبه، فالسراد و المسراد والمسرد الة الثقب والمثقب.

المفهوم الاصطلاحي:

    للسرد والسردية في الاصطلاح الحديث معنى واحد، يقصد بهما تتابع الحالات والتحولات في خطاب ما على نحو ينتج المعنى وهذا المفهوم على اختزاله يشمل كافة الخطابات المكتوبة والمروية وكما يمكن تأدية السرد باللغة يمكن تأديته أيضا بالصورة والحركة والايحاء وحتى الايماء، غير ان السرد سرعان ما تجاوز حدود المفاهيم النظرية ليصبح علما مستقل بذاته وعل السرد بمفهومه الجديد حديث النشأة (1912)، بحيث لم تظهر ملامحه الاولى الا مع  مطلع القرن الماضي على يد الكاتب الروسي (اخنباوم) في مقالة ظهرت سنة (1912) بعنوان "كيف صيغ معطف غوغول" غير ان كلمة السرد والسردية لم تأخذ بعدهما الاصطلاحي الحقيقي المعروف الأن بين الدارسين والمتخصصين إلا في حدود سنة 1969، على يد الناقد (تودوروف) أما عن أهمية الكاتب الروسي (فلاديمير بروب) في مجال السرد الحديث فتجلى في اكتشافه لمنطق تسلسل الوظائف السردية بعد أن انطلق في بحثه من مئة خرافة روسية في حدود سنة 1925.

موقف القدماء من السرد في الثقافة العربية القديمة

  تكاد الثقافة العربية تختزل ضمن نمط واحد من الابداع الادبي والفني وهو الشعر ليغدو بذلك هذا الفن الظاهرة الادبية الكبرى المميزة لحياة العرب وأمزجتهم وليستأثر بكل احتفاء واهتمام وذلك رغم كل التحولات العميقة والهزات العنيفة التي شهدها التاريخ العربي والاسلامي في كل الامكنة التي تعاقبت فيها الدول الاسلامية على الحكم شرقا وغربا.

 ورغم ما اشتمل عليه القرآن الكريم من جوانب سردية خصبة فإنه لم ينظر الى السرد القرآني المعجز الا من حيث الجوانب المتصلة بالحكمة والموعظة وضرب الامثال بغية التوجيه الرشيد للسلوك البشري.

وإذا كان القدماء قد اهملوا السرد فإن إهمالهم لنقد السرد كان أكد وألح إذا غطت عليه ادبية الشعر والنثر الفني التي عمل النقاد على ترسيخها والتنظير لها في مؤلفات مخصوصة معروفة وقد ساهم هذا الموقف الذي يحط من شأن السرد على تكوين تيار مناوئ للسرد والسردية وترسيخ نظر متعالية تقرنهما بطبقة العوام والدهماء وكان السرد من خلال هذا الموقف لا يرقى الى مستوى اللغة الرصينة اي اللغة العالمة التي استبد بها الشعر والنثر الفني مع العلم ان السرد مثله مثل الشعر لا يمكن ان يكون الا نتيجة طبيعية لتقلبات مجتمع بكامله، قال المسعودي(426هـ) عن الف ليلة وليلة " وقد ذكر كثير من الناس ممن له معرفة بأخبارهم ان هذه اخبار موضوعة من خرفات مصنوعة نظما من ترقب من الملوك برويتها وصار على اهل عصره بحفظها والمذاكرة بها وان سبيلها الكتب المنقولة الينا والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية وسبيل تأليفها مما ذكرنا مثل كتاب – هراز افسانا – وتفسير ذلك من الفارسية الى العربية ألف خرافة والخرافة بالفارسية يقال لها أفسانا والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة وليلة".

وعندما جاء ابن النديم حدد موقفا عاما من السرد وإن كان منطلقه من كتاب كليلة ودمنة قال عنه "وهو بالحقيقة كتاب غيث بارد الحديث".

  وكأنه هنا بهذا القول الموجز يختزل وعي النقد القديم بالسرد ويرسم حدود موقفه العام تجاهه وربما كان السبب الرئيسي في تشكيل هذا الموقف ان الشعر مرتبط في الغالب بأشخاص معروفين بينما السرد غفل لا يعرف واضعه فضلا عن انه لا يتوجه الى متلقي بعينه بل إلى مجموعة من المتلقين الافتراضين غير معلومين وينضاف الى هذا السبب ان السرد نشأ في مجتمع ما  وقد طبعته المشافهة بسمات معينة تتصل بطبائع الناس العاديين وبأوهامهم وخرفاتهم في صور بسيطة أقرب متكون الى الطفولة الساذجة، وعذا قبل ان تدوم في مراحل لاحقة متأخرة.

ومع ان كثير من السرود العربية قد دونت غير ان صيلتها لم تنقطع تماما بمجالها الشفاهي الخصب الذي هو سر جمالها وجاذبيتها، كما انه لا ينبغي ان ننسى في هذا السياق موقف السرد من السلطة الرسمية اذ كثيرا ما تعارضت توجهات السرود العربية في جماحها وفي عوالمها الغربية العجيبة مع توجهات السلطة الرسمية المؤسسة على قواعد معيارية وثوابت عقلية وحدود منطقية.

  ورغم هيمنة هذه الفكرة فإنها لم تمنع من انتشار السرد في اوساط الناس خاصتهم وعامتهم، بل حتى في اوساط الشعراء والكتاب المتمرسين بأساليب اللغة العربية الرفيعة، ويمكن ان نذكر هنا على سبيل المثال المعري(449 هـ) وهو من الشعراء العربية الكبار الذين استغلوا طاقة السرد في رسالته المشهورة- "الغفران". بالإضافة الى ابن شهيد في رسالته "التوابع والزوابع"، بالإضافة الى ركن الدين الوهراني في "منامته" وخاصة "المنام الكبير"، كما لا ينبغي ان ننسى الاثر الكبير لكتاب الف ليلة وليلة الذي استطاع لوحده ان يختزل هموم الانسان العربي خصوصا والانسانية عموما رغم التحفظات التي واجهت هذا الكتاب قديما وحديثا. ربما بسبب هذا الموقف الذي اشرنا اليه ليبقى السرد العربي القديم بعيدا عن دوائر الاهتمام حتى ظهرت السردية العربية الحديثة كفرع ثابت من فروع الادب ومناهج التحليل الادبي المعاصر فقد سعى الكثير من رواد السردية في عالمنا العربي اليوم الى انصاف التراث السردي العربي القديم واعادة تصنيفه تصنفا متكاملا يحصي انواعه ويدرس خصائص الاسلوبية والموضوعية.

نشكر استاذنا الفاضل المصدق ولا ننسى الاخ جامع على مجهوداته

الله ولي التوفيق (يتبع...)

بقلم رضا صاحب المدونة



تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  1. أعتقد أن الشكر مزجه للأستاذ بانوار. أستاذ السرد القديم؟

    ردحذف
    الردود
    1. نشكر جميع الاساتذة الكرام ولما يقدمونه من مجهودات ، واشكركم على مروركم بمدونتنا

      حذف

إرسال تعليق